الانتقادات الموجهة للمنهجية الكمية في العلوم الاجتماعية والإنسانية: بين قصور المنهج وقصور التطبيق
أورهان أقزاده - رئيس مركز أفق جُو للدراسات والاستشارات
المقدمة
تحتل المنهجية الكمية مكانة محورية في البحث العلمي الحديث، إذ تعتمد على النماذج الإحصائية والرياضية لتحليل الظواهر الاجتماعية والإنسانية، بما يتيح الوصول إلى تعميمات واختبارات دقيقة للفرضيات. غير أن هذه المنهجية تعرضت لانتقادات واسعة في حقل العلوم الاجتماعية والإنسانية، حيث اعتبرها بعض الباحثين قاصرة عن الإحاطة بالتعقيد الإنساني والثقافي. ومع ذلك، فإن جزءاً معتبراً من هذه الانتقادات لا يرتبط بجوهر المنهجية بقدر ما يعكس قصوراً ذاتياً لدى الباحثين في الإلمام بالأدوات الكمية وتطبيقها بدقة.
سنحاول في هذه الورقة عرض هذه الانتقادات والرد عليها ببساطة وتقديم توصيات تعزز من مكانة هذه المنهجية وكيف تتكامل مع المنهجيات الأخرى لتقديم تصور أشمل عن الظواهر والحوادث.
الانتقادات الموضوعية للمنهجية الكمية
يمكن تصنيف الانتقادات الموضوعية على أنها تلك المتعلقة بحدود المنهجية ذاتها، ومنها:
1. التبسيط المفرط للظواهر: يرى النقاد أن اختزال الظواهر الإنسانية المعقدة في متغيرات قابلة للقياس يؤدي إلى إغفال أبعاد جوهرية، مثل القيم الثقافية أو الرمزية (Denzin & Lincoln, 2011)
2. إغفال البعد النوعي والمعنى: تركز المقاربات الكمية على "الكم" وتغفل "المعنى"، وهو ما يجعلها عاجزة عن تفسير الدوافع العميقة وراء السلوكيات الاجتماعية (Creswell, 2014).
3. إشكالية الصلاحية: قد تكون النتائج دقيقة من حيث الموثوقية الإحصائية، لكنها لا تقيس فعلياً ما يُفترض قياسه، نظراً للاعتماد على مؤشرات بديلة (Proxies) لا تعكس الواقع بدقة.
4. إشكالية السببية: تعتمد الدراسات الكمية غالباً على العلاقات الارتباطية، ما قد يؤدي إلى الخلط بين الارتباط والسببية (Shadish, Cook, & Campbell, 2002).
5. ضعف التعميم عبر الثقافات: النماذج المبنية في سياقات ثقافية معينة قد لا تكون صالحة للتطبيق في مجتمعات أخرى ذات قيم ومعايير مغايرة.
6. إهمال التغير التاريخي والديناميكية: غالباً ما تكون النماذج الكمية ساكنة (Static) ولا تعكس التحولات الديناميكية السريعة التي تطرأ على المجتمعات (Abbott, 2001).
الانتقادات الذاتية (قصور التطبيق والباحثين)
هناك أيضاً انتقادات ترتبط بقدرات الباحثين وأسلوب تطبيق المنهجية أكثر من ارتباطها بحدودها الموضوعية، ومن أبرزها:
1. ضعف الكفاءة الإحصائية: كثير من الباحثين في العلوم الاجتماعية لم يتلقوا تدريباً كافياً في الرياضيات والإحصاء، ما يجعلهم عاجزين عن بناء نماذج معقدة أو استخدام البرمجيات المتقدمة (King, Keohane, & Verba, 1994).
2. العجز عن بناء نماذج واقعية: تتطلب صياغة نماذج كمية فعالة معرفة عميقة بالموضوع وأدوات كمية متقدمة (مثل شبكات بايزية أو محاكاة مونتي كارلو)، وهو ما لا يتوافر دائماً.
3. الانحياز للنوعي لأنه أسهل: يميل بعض الباحثين إلى المناهج النوعية لأنها أقل تكلفة وجهداً مقارنة بالكمية، ثم يبررون ذلك بانتقاد الكمّي.
4. ضعف القدرة على التواصل مع صناع القرار: في كثير من الحالات، يفشل الباحثون الكميون في تبسيط نتائجهم بلغة مفهومة وملائمة لصناع القرار، مما يخلق انطباعاً زائفاً بأن المنهجية غامضة أو غير عملية.
5. الخوف من فقدان السيطرة على التفسير: يرى بعض الباحثين أن النماذج الكمية تقيد حريتهم في تقديم قراءات تأويلية واسعة، وهو ما يفسر رفضهم للكمّي بدافع ذاتي أكثر من كونه قصوراً موضوعياً.
قصور التطبيق أم قصور المنهجية؟ قراءة نقدية في الانتقادات الموجهة للمناهج الكمية
تُوجَّه إلى المنهجية الكمية في العلوم الاجتماعية والإنسانية مجموعة من الانتقادات، غير أن التدقيق يكشف أن معظمها لا يرتبط بجوهر المنهجية ذاتها بقدر ما يعكس خللًا في التطبيق أو في قدرات الباحثين. فالانتقاد الأول، وهو التبسيط المفرط للظواهر، يرجع غالباً إلى قصور في تصميم المؤشرات من قبل الباحثين، مثل اختزال مفهوم "جودة الحياة" في مستوى الدخل فقط. أما الانتقاد الثاني، أي إشكالية السببية، فيعكس الخلط بين الارتباط والسببية، وهو خلل في التحليل والتفسير الإحصائي وليس قصوراً في المنهجية الكمية ذاتها. وينطبق الأمر نفسه على الانتقاد الثالث وهو ضعف التعميم عبر الثقافات، إذ تكمن المشكلة في تطبيق أدوات بُنيت في سياق ثقافي محدد على مجتمعات مختلفة دون تكييفها، كما في حالة استبيانات السعادة الغربية المطبقة في مجتمعات شرقية محافظة، وهو خلل ينطبق على المناهج النوعية بنفس القدر. وفيما يخص الانتقاد الرابع المتعلق بـ افتقاد الصلاحية، فإن الإشكال يكمن في اعتماد الباحثين على متغيرات بديلة لا تعكس جوهر المفهوم المدروس، كما في اعتماد الدخل كمقياس وحيد لجودة الحياة. أما الانتقاد الخامس، وهو إغفال البعد النوعي والمعنى، فإنه يُعزى في جوهره إلى محدودية تصميم الأداة أو الاستبيان، إذ يمكن إدماج الأبعاد الرمزية والقيمية في نماذج كمية متقدمة متى توافرت الكفاءة العلمية. وأخيراً، الانتقاد السادس المتعلق بـ إهمال التغير التاريخي والديناميكية يكشف عن خلل مركب يتمثل في ضعف اختبار المؤشرات على المدى الزمني وعدم الإلمام بالتحولات التاريخية والنفسية والاجتماعية، مما يؤدي إلى بناء نماذج ساكنة لا تعكس دينامية الواقع الاجتماعي.
وبناءً على ذلك، يتضح أن معظم هذه الانتقادات لا تمسّ المنهجية الكمية في حد ذاتها، بل ترتبط بخلل في التطبيق أو بقصور في المعرفة، بينما تظل المنهجية قادرة، متى أُحسن استخدامها، على تقديم مقاربات كمية شاملة وديناميكية قادرة على تمثيل التعقيد الاجتماعي والإنساني. جدول 1 يوضح تصنيف الانتقادات الموجهة للمنهجية الكمية مع تحديد طبيعة الخلل ومثال بسيط عليه وتصنيف هذا الانتقاد وفقاً لسببه.
الخلاصة
يتضح مما سبق أن معظم ما يُوجَّه إلى المنهجية الكمية من انتقادات في العلوم الاجتماعية والإنسانية لا يمثل قصوراً جوهرياً فيها، بل يعكس عقبات ناجمة عن خلل في التطبيق أو محدودية في الإلمام بأبعاد الظاهرة المدروسة. فالتبسيط المفرط، وضعف الصلاحية، وإشكاليات التعميم أو السببية إنما تنشأ من تصميم غير شامل للمؤشرات أو سوء في التفسير، أكثر مما تعكس ضعفاً في المنهجية نفسها. كما أن إغفال الأبعاد الإنسانية أو الدينامية التاريخية يُظهر حاجة الباحث إلى تكامل معرفي يمكّنه من ربط أدوات التحليل الكمي بعمق السياق الاجتماعي والثقافي والسياسي.
ولتجاوز هذه العقبات، يمكن تبني مسارات عدة:
1. تأهيل الباحثين الكميين عبر التخصص في موضوعات محددة من العلوم الاجتماعية والإنسانية ودراسة أبعادها التاريخية والنفسية والثقافية والسياسية، مما يعزز قدرتهم على اختيار المؤشرات المناسبة.
2. إخضاع الباحثين في العلوم الاجتماعية والإنسانية لدورات معمقة في التحليل الكمي، ليكتسبوا أدوات منهجية تمكنهم من التعامل مع الظواهر بأبعادها القابلة للقياس.
3. تطوير المفردات الدراسية في العلوم الإنسانية بحيث تدمج مكونات رياضية وإحصائية متعلقة بالتحليل الكمي، فلا تبقى العلوم الإنسانية والاجتماعية "محضة" بمعزل عن الأدوات الكمية. هذا الدمج في مرحلة التعليم الأكاديمي المبكر يكسر الحواجز النفسية والمعرفية مع الرياضيات والإحصاء، ويمكّن المتخصص الإنساني من الألفة مع أدوات القياس والتحليل عندما يخرج إلى الواقع.
4. إلحاق بعض العلوم الإنسانية بالمجالات العلمية التطبيقية التي تعتمد الكمّ، بحيث يكتسب الطالب العلمي منظوراً اجتماعياً وإنسانياً مكمّلاً، وهو ما يثري قدرته على تفسير الظواهر بدل الاقتصار على معادلات صورية.
وبهذا التبادل المعرفي، يتحقق نوع من التكامل بين ما هو كمي وما هو نوعي؛ لا يمكن اعتبار ذلك دمجاً كاملاً بالمعنى المنهجي، وإنما إصلاح للخلل التطبيقي وسدّ للنقص المعرفي. كما أن المستقبل البحثي يتجه نحو المناهج المختلطة (Mixed Methods) التي تستثمر في دقة المناهج الكمية ورصانتها من جهة، وفي عمق المناهج النوعية وقدرتها التفسيرية من جهة أخرى. هذا المسار لا يردم الهوة بين "العدد" و"المعنى" فحسب، بل يرسخ أيضاً مقاربة أكثر شمولاً وواقعيةً لتمثيل التعقيد الاجتماعي والإنساني.
المراجع
Abbott, A. (2001). Time Matters: On Theory and Method. University of Chicago Press.
Creswell, J. W. (2014). Research Design: Qualitative, Quantitative, and Mixed Methods Approaches. 4th ed. Sage Publications.
Denzin, N. K., & Lincoln, Y. S. (2011). The Sage Handbook of Qualitative Research. Sage.
King, G., Keohane, R. O., & Verba, S. (1994). Designing Social Inquiry: Scientific Inference in Qualitative Research. Princeton University Press.
Shadish, W. R., Cook, T. D., & Campbell, D. T. (2002). Experimental and Quasi-Experimental Designs for Generalized Causal Inference. Houghton Mifflin.





